الرئيسيةرأيفن وثقافات

آية السيابي تكتب: لا تقديس ولا تدنيس!

هل آن لنا نتنازل او نبرأ كليا من هذا التشبث الأرعن لفكرة الوحدة العربية؟ ام لا زلنا نغرق في حمى وهم النزعة الجماعاتية!

ألم نكتشف بعد التعفّن الذي استفحل في نسيج الأمة العربية التي تعاني شعوبها اليوم من السهر والحمى كما وصفها الرسول الكريم يوم أن كان الحلم أن نبلغ المثل العليا في التواد والتراحم والإخاء! مُثُلا عُليا نادى بها الجميع وتهافت إليها الجميع إلى آن ولكن لم يبلغها أحدهم وان كاد! وان قلنا أن جمال عبدالناصر كاد أن يصل قبل الهزيمة العربية المخزية في يونيو عام 1967، هزيمة في ستة أيام فقط كانت أبرز محصلاتها هي إصابتنا بمتلازمة الخذلان الأبدي.

حتى انتهى بنا الأمر اليوم أن نشهد خلف شاشاتنا تمزق البنيان المرصوص الذي أُريد له أن يشدّ بعضه بعضا ولكنه تقوّض دكاً دكا وأصبح نثارا لا يرتجى.

ثم انتهجنا شعارات لامعة لم تزد وحدتنا الى نخارا.

شعارات تعكس الوهن الذي اصطبغ به الوطن العربي.. مثل “المواطن أولا” و “لا حل على حساب حدودنا” والتي انتهجتها مؤخرا بعض البلدان العربية.

بعد تفشي هذه الشعارات وتعاظمها في نفوس الأبناء قبل آبائهم، لم يعد الوطن العربي وطن مشترك وأرض كبرى وسماء واحدة كما تغنى به البارودي في بلاد العرب أوطاني. لقد تعددت سماواتنا وتباينت أهدافنا ولم يعد لسان الضاد يجمعنا فقد كثرت ألسنتنا واختلفت لغاتنا لونا وصوتا. هل كان هذا محض صدفة ام هو خنوع تام وانقياد وتسليم لنظرية المؤامرة وفقط.

 

اليوم، ونحن ننظر من عُلي إلى الوطن العربي الكبير الذي تحجّم وأصبح بلدانا تتقازم. كل ما بقي لنا منا هو نطيحة ومتردية كل منها تدفع الأخرى للنفخ في بوق المؤتمرات العاجلة الفورية لنخرج بكلمات سحرية ثلاث تعيد للأمة العربية مجدها وحقوقها وخيرات أرضها. “نشجب ونستنكر وندين” هي كلمات خفيفة في اللسان ثقيلة في الميزان. ولكنها وبلا غلو!.. أعادت صباغة اللوحة العربية بلون مغاير. يشبه اللون الذي اصطبغت به الخارطة العربية في سنة 1948!

سوف تُشبع المجاعة الكارثية الواردة في السودان، وتُرجع من نزح منهم فارا بحياته وأبنائه إلى داره آمنا مطمئنا. سوف تُعيد إستخدام مفاتيح الدور التي علّقتها نساء فلسطين المهجّرات في أعناقهن منذ الهجرة الكبرى في 1948 وتوارثنه النسوة طويلا. وسوف تشفي آلاما سقام تئن بها أجساد الأطفال والنساء والكهلة جراء الحرب الجائرة في غزة المنكوبة. سوف تُعيد عظمة العراق المسكوب وتستعيد لبنان لقبها الذهبي (سويسرا الشرق) ويعود لسوريا أمنها المنتهك. سوف تتحلل الأزمة الليبية وتقيم مصر أعمدتها المنهارة ويستقيم الظل في اليمن العصيّ.

نعلم يقينا أن قرارات القادة العرب فيما يتعلق بالأزمات العربية الحالية لا تمثلنا (وأقصد على الأقل الجيل المخضرم) الذي تغنى بالقومية العربية مثل أغنية وين الملايين للشاعر الليبي علي الكيلاني التي أطلقها في أعقاب الانتفاضة الفلسطينية الأولى نهاية العام 1987. أو أغنية لبيك يا علم العروبة للفنان اللبناني محمد سلمان والتي تم انتاجها فترة العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956 بسبب دعم جمال عبدالناصر لثورة الجزائر ضد فرنسا وتأميم قناة السويس. قصيدة موطني أيضا للشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان التي تم تلحينها لاحقا واصبحت نشيدا وطنيا في العراق بعد سقوط نظام صدام حسين ويكرر في أغلب بقاع الوطن العربي كنشيد قومي غير رسمي مثل فلسطين والجزائر وتونس. هذه الأناشيد المُغناة، تلهب حماسة الوحدة العربية لدى الشعب العربي أجمع ولها تأثيرا هاما وعظيم في توجه الشعوب إلى التضامن والوقوف جنبا إلى جنب دون إعتبار الحدود السياسية فيما بينها. قد يختلف البعض ويرى أنها حفنة أغاني ومزامير لشياطين عابثين ملهاة لعقول الشباب. ولكنها غالبا ما تكون تأريخا مهما لأحداث سياسية تطرأ على الساحة العربية وتؤثر في تأجيج الشعور القومي لدى الفرد العربي.

اليوم، كلما وقفت أمام خبر لأحداث الانتكاسات المتتالية في الدول العربية، أجد التعليقات من الشعب العربي (بافتراض أنه الشارع العربي الذي يحوي مختلف الأعمار والافكار) تتراشق بالسباب والشتم وكل منهم يمجد دولته وقاداته في تقديس ضرير لا يسمن الوضع العام ولكن يزيده جوعا وظمأ وهزال وتفكك!

وهنا أحب أن أذكر أنه بحسب الإحصائية الصادرة عن شعبة السكان في الأمم المتحدة للعام المنصرم 2023، تظهر أن عدد سكان العالم العربي ما يربو عن 470 مليون أي ما يمثل على الأقل 5% من إجمالي السكان في العالم. هل لنا أن نتخيل أن هذا العدد يحتجب خلف الكلمات السحرية الثلاث: “نشجب ونستنكر وندين”!

 

آية السيابي
كاتبة عمانية

ماما

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى