يكتب الرواية المعرفية.. الروائي برهان شاوي: شخصياتي مهمومة بأسئلة الوجود والحياة
المشهد الثقافي العربي مصاب بداء العلاقات والمنافع المتبادلة والإخوانيات والتملق المريض والمدائح المجانية
حواءاتي لكل منها بصمتها !
لا أفكر بإضافة بهارات فلسفية أو نكهة وجودية إلى أعمالي قصداً كي تتسم بالعمق
حاورته: رهف العقابي
حقق الروائي برهان شاوي منجزاً سردياً مهماً شغل النقد والقراء ،لتفرد مضامين رواياته ومعالجاته التي أسهمت في تقديم مجموعة من الروايات التي سجلت حضوراً لافتاً في المشهد الثقافي..يؤكد الدكتور برهان شاوي أهمية القراءة ومواصلة التجريب وإزاء مالاحظناه
من غزارة في انتاج الروايات والآراء المعترضة وجدنا تأييداً ومؤازرة من لدن الدكتور شاوي الذي لم يجد ضيراً من أن يجرب الشباب كتابة هذا الجنس الأدبي وأن يحققوا مطامحهم ، ويجددوا أحلامهم في عالم صاخب، وأهوج مثلما غابة ..
تعالوا لنبحر معه في هذا الحوار..

* كتبت العديد من الروايات التي نالت استحسان القراء والنقاد ..فهل أنصفك النقد الحقيقي؟
ـ بكل تواضع، ومن دون غرور، ونفخ في الذات، حين أرى المشهد النقدي العراقي، لا يعنيني كثيراً ، فقد دخلت أعمالي الروائية إلى مناهج وعناوين الدراسات العليا للماجستير والدكتوراه في الجامعات العربية والعراقية، وإلى الآن كُتب ما يقارب (30) رسالة ماجستير وأطروحة دكتوراه، وكتبَ عن أعمالي قامات أكاديمية ونقدية مهمة. يكفيني أن أقرأ تعليقا من الناقد الكبير ياسين النصير على منشور لي على صفحتي الفيسبوكية، أو مقالاً منشوراً في صحيفة عربية تصدر من لندن كتبه الدكتور الروائي الكبير واسيني الأعرج، أو مقالاً من الدكتور الشاعر والناقد حاتم الصكر، أو من الناقد محمد عبد الرضا شياع، الذي أقام ندوة ساهم فيها كبار النقاد والأساتذة والأستاذات والشاعرات والفنانين احتفاءً بتجربتي الروائية. كما قام الأستاذ المغربي عبد الجليل الغزالي بتأليف كتاب عن (المتاهات)، وكذلك قام الناقد العراقي صباح هرمز بتأليف كتاب مهم بحث فيه إشكالية الثالوث المحرم في رواياتي. بمعنى من المعاني، انَّه من المؤكد يسعدني تناول أعمالي بالتفكيك والتحليل، لكن مسألة الإنصاف مسألة نسبية. وبالمناسبة تعليقات المتابعين والقراء تهمني جداً وتسعدني، فهي تكشف عن عمق تأثير رواياتي في قطاع كبير من القراء الذي تابعوا أعمالي.
من جانب آخر أنا لست استعراضياً، وسيىء في العلاقات، وأعيش عزلة اخترتها لنفسي، فمثلا هناك من أصدر رواية واحدة، لكن يستضاف في معارض الكتب، في الشارقة، والقاهرة، وأبوظبي، و.و.و. المشهد الثقافي العربي مشهد مصاب بداء العلاقات والمنافع المتبادلة والإخوانيات، والتملق المريض والمدائح المجانية.
* لديك ميل ونزوع لمعالجة جملة من الأسئلة الوجودية والفلسفية في رواياتك ولا سيما متاهاتك التي شغلت القراء ..هل تعتقد أنَّ خوض هذا المضمار سيضيف للرواية فرادةً وتميزاً؟
ـ أنا لا أفكر بإضافة بهارات فلسفية أو نكهة وجودية إلى أعمالي قصداً كي تتسم بالعمق. أنا أكتب الرواية المعرفية. أنا هكذا، أفكر هكذا، وشخصياتي هي هكذا مهمومة بأسئلة الوجود ومعنى الحياة. وشخصيا مهموم بقلق الوجود والأسئلة الماورائية، مثل شخصياتي، ولا تعتقدوا إنها شخصيات خيالية أو أنا أمنحها العمق الفلسفي، فأحيانا أعمل استنساخاً لحواراتي التأملية معها، وكل شخصياتي حقيقية.
* انسحبت الكثير من الأجناس الأدبية من فضاءات الإبداع بينما تقدمت الرواية ..كيف تبرر ذلك؟
ـ لا أتفق مع هذه النظرة، فالشعر في تقدم، والتجربة الشعرية العربية تتبلور بشكل رائع، وكذا الفن التشكيلي، وأتفق أنَّ الرواية تقدمت بشكل كبير، لكن مثلما التلفزيون لم يلغ السينما، فالرواية لم تلغ الشعر أو القصة القصيرة.
* تلفظ المطابع مئات الروايات سنوياً ولا نتوقف إلا عند بعضها ..يا ترى لماذا كل هذا الغث من الروايات؟
ـ حالة صحية. دعوا الناس تكتب، فحتى لو لم ينتجوا إبداعاً، فالكتابة تعالج العقد النفسية للكاتب، وطبعاً أنَّ هناك جانباً تجارياً في الأمر ، حيث تربح المطابع من خلال النشر لكل من هب ودب، ومع الأسف لا تؤسس لتقاليد نشر محترمة. فالمطابع ودور النشر تمص دم الكتاب، وتنشر لكل من يريد أن يرى كتابه منشوراً، لذا تأخذ مالاً على النشر أضعاف ما يكلفها طباعته. أما عن القيمة الأدبية لما ينشر فأقول اتركوا الناس تكتب وتنشر ففي النهاية لا يبقى في الوادي غير الحجارة.
* اذا كان الشباب يستسهلون كتابة الرواية معتقدين أنَّها محض حكايات طويلة، فبم تنصحهم كونك اسماً مهماً في عالم الرواية ؟
ـ أعتقد، أنَّ هناك فرقاً بين الحكاية والرواية، وهذا موضوع نظري في علم الخطاب الروائي. لا أحب النصائح، لكني أرشدهم إلى قراءة أهم إبداعات الرواية العالمية وبشكل منهجي، والإصغاء بانتباه شديد لتجارب الروائيين في العالم، عندها سيعرفون ما معنى الرواية.
* كتبت الشعر والرواية ،باعتقادك أيهما يستدعي جهداً كبيراً وتأملاً عميقا؟
ـ لكل جنس أدبي جهده المتعلق بعمقه وأسئلته وتأملاته، فمثلا بعض رواياتي كتبتها بستة أشهر، لكن حين ترجمت قصيدة ( إسحاق وإبراهيم) للشاعر السوفيتي يوسف برودسكي، استغرقت في ترجمتها عن الروسية ستة أشهر.
* كيف تعاملت مع المرأة في ابتكارك لشخصياتك المتنوعة، وهل منحتها ما تستحق من دور إنساني فاعل في الحياة؟
ـ ما معنى (منحتها ما تستحق من دور إنساني فاعل في الحياة؟).
من أنا كي أمنحها ما تستحق؟
إنَّ وجود المرأة في أية رواية بحد ذاته يمنح تلك الرواية بعداً إنسانياِ، بغض النظر عن الشكل الذي تقدم فيه المرأة. شخصياً قدمت مئات الشخصيات، ففي (المتاهات الأولى)، والتي هي (متاهات الجحيم) هناك 304 شخصيات روائية، بينها 119 حواء، وفي الروايات اللاحقة عشرات الحواءات.
صحيح أنَّ مشاكلهن تتشابه أحياناً ، لكن لكل حواء خصوصيتها، وكما يقول ليف تولستوي في أول جملة افتتح بها روايته ( آنا كارنينا) بأنَّ العوائل السعيدة متشابهة في سعادتها، أما العوائل التعيسة فكل منها تعيسة بطريقتها)، وحواءاتي لكل منها بصمتها ومنعطفات حياتها الملتوية.
*براعتك في خلق الشخصيات تحيلنا إلى مرجعياتك الحياتية والثقافية وربما تنوع الجغرافية التي عايشتها،فكيف يمكن ابتكار كل هذه الشخصيات، وبهذه البراعة، وهل تعتقد أنَّ الشخصيات النامية هي المعيار الحقيقي لنجاح الروائي في تشكيل معماره الفني؟
ـ أعتقد أنَّ لكل كاتب تجربته الخاصة، مثلما لديه خصوصية علاقته مع شخصياته، ولا توجد معايير ثابتة في تقويم أية شخصية روائية، فلا تنسي بأنَّ هناك القارىء الذي يحقق عملية التكامل الإبداعي. فالعملية الإبداعية تتألف من: كاتب، ونص، وقارىء.
تربطني بشخصياتي حوارات عميقة وصراحة تامة، لاسيما وأنا أحافظ على هوياتهم الشخصية، وأكتم بوحهم وأسرارهم.
*يقال إنَّ الرواية الجيدة هي التي تقلق القارىء وتربكه وتترك في رأسه مئات الأسئلة ..فكيف تنظر الى هذا الرأي؟
ـ أتفق بالكامل. الأمر لا يخص الرواية وإنَّما أي كتاب يفترض أن يوقظ الأسئلة عند المتلقي.
*رواياتك تتوافر على عنصر التشويق وتجعل القارىء أسيراً لأحداث وتفاصيل رواياتك ..كيف يمكن تطوير هذه القدرة التي تنعدم في الكثير من الروايات الحديثة ؟
ـ شخصياً درست السينما، لذا كتابتي صورية، كما استعنت بجماليات اللغة السينمائية وتقنيات المونتاج في اختيار الجمل التي توازي اللقطات، وفي نمو الحركة والانتقالات، وتتبع الحدث. أي من يقرأ رواياتي يرى الحدث كفيلم سينمائي ويرى الشخصيات وهي تقوم بالحدث الروائي، حتى الحوار يكون مشهدياً.


