لبنى العيسى تكتب: النّار بالنّار عمل اتُّهِم بالعنصرية لكن هل الحقيقة معاكسة.. وما هي؟!
تنوُّع كبير ميَّز سباق الدراما الرمضاني هذا العام ، بعض الأعمال خيّبت الأمال وبعضها فاجأ الجمهور بسبب ما تحمله من رسائل مبطّنة قد قرأها كل مشاهد .
ولعلَّ أهمها العمل الذي يحمل اسم النار بالنار و المقصود هنا بالنارين الشعبين السوري واللبناني اللذين شاءت ظروف كثيرة أرغمتهما على البقاء ضمن دائرة تدور حول نفسها لأسباب كثيرة أهمها الظروف الإقتصادية السيئة ، الحروب ،النزوح ، الفقر المدقع وعدم توًَفر أهم المقومات الحياتية .
واذا اعطى المشاهد تفكيره وقتاً اطول وسأل نفسه ماذا يحصل لو دخلت ناراً في قلب نار ٍ؟ ستكون الإجابة نفسها عبارة عن أسئلة قد لاتنتهي !

يحاول صنّاع العمل إثبات نظرية ينسفها كثيرون ولعل هذه النظرية تزعج كثيرين أيضاً وهي أنَّ الشّعبين السوري واللبناني وجهان لثقافة وجغرافيا وتاريخ واحد وعندما تلتهب نارُ داخل نارٍ لن ينتج سوى نار لها نفس القوام والخلاصة وهذا ما يحصل في الحي الذي يعكس حالة احتقان والتهاب تلك النارين .
في بداية العمل يظنُّ المشاهد ومن خلال حوارات عنصرية متوهِّجة بأنَّ الكفَّة رجحت لجانب أكثر من الآخر لكن مع الوقت يكتشف المشاهد نفسه أنَّ الكاتب يحاول اثبات نظرية معاكسة وهو أنَّ مايظنُّه الشعبين ليس إلا وهم قد شربه كثيرون وتغنوا به.

تدور أحداث العمل في إحدى أحياء بيروت الفقيرة وعندما أقول أحداث العمل فأنا أقصد كل المَشاهد وكل الأحداث فالمخرج لم يبذل أي جهد في إضافة موقع جديد ، موقع ينقلنا من حالة الملل التي سيطرت على بعض حلقاته .
لست من معجبي كاميرا محمد عبد العزيز فتركيزه الكبير على الألوان الباهتة والموقع الموحّد لكل المَشاهد غالبا ً يشعرني بالملل .
أمّا الكاتب رامي كوسا فقد قدّم طبقه الرمضاني بعد جهد جهيد ليكون واحد من أهم انجازاته ، رامي يغيب في كلِ مرةّ ليعود بقلب نابض حي لديه كل الشغف لإثبات فرادته ، ناثراً كلماته وحروفه الغنية المحمّلة برسائل عميقة تجعل كلّ مشاهد يسأل نفسه ألف سؤال .
فالحوارات وضعتنا جميعاً في متاهة تساؤلات أرغمتنا كثيراً على التفكير والبحث عن المغزى الحقيقي لكلِّ ذاك الإحتقان الذي وُظف بأشكال كثيرة سببها الفقر والعنصرية .
تبرّأ صانع النص من مشاهد كثيرة بسبب ادّعائه بأنّ المخرج محمد عبد العزير قد تعدّى على حروفه فقد التهم بعضها واستبدل بعضاً أحياناً أخرى .

لا أحد يعرف السبب الّذي دفع الأخير للتعدّي على النص وتعديله لكن ما يجب قوله بأنّه رغم كل الذي ذُكِر سابقاً إلا أنّ العمل واحد من الأفضل على الإطلاق ولعلّ أهم ما ميّزه نصّه الواقعي الذي سبّب حالة صدمة للجمهور لما يحمله من جرأة قاسية لم نعهد سماعها من قبل .
على الرغم من أنّ الإخراج قد قلّل قليلاً من قيمة النص إلا أن شخصياته وأبطاله قد رفعوا العمل ليكونوا جميعاً نقاط قوة تحتسب له ، نجاح وجهد جماعي شارك فيه أهم النجوم السوريون واللبنانيون .
فمثلاً ….
خليفة دريد لحّام جورج خبّاز الذي اطفى على السباق الرمضاني نكهة العمالقة.

شخصية عزيز التي يلعبها العملاق جورج خباز قد لمّعته مجدّداً وقدّمته من خلال عرض مبهر وحضور مخضرم يشبه لحدٍّ ما حضور دريد لحام وأيضاً فنان شامل جسدّ حالة الأكاديمي وميّزته عن غيره فكيف لا وهو ابن المسرح الذي وقّع عقده الأبدي مع الفن .
وثّق جورج مشهده اليوم من خلال عمل درامي حي و واقعي ، حاملاً بيده كل العناصر الدرامية بعيداً عن خشبة المسرح ، عاكساً لجمهوره من خلال شخصية عزيز حالة البؤس التي يعيشها الموسيقي المثقف والفقير الناقم على ظلم الحياة والباحث عن وجوده الإنساني .

أما المُلهمة كاريس فهي تثبت في كلّ حالة أو دور تقوم به بأنها قد اصبحت مدرسة وعلى الكثيرات التعلم والتخرّج منها و عندما يُقال عن فنّان بأنه مدرسة فهذا يعني أنّ لديه قوامه وتركيبته المنفردة ، كاريس نجمة تعيش حالة الدور في صميمها، تدرس ماهيّته وجوهرهُ وتَمُد جسرها الخاص بين الشكل والمضمون لتثبت للجميع نظريتها في الفن مؤكّدة بذلك أنّه حالة يجب على الفنّان أن يشعرها ويعيشها في أدق تفصيل ، وهذا ما حصل تماماً فيما يخص شخصية مريم اللاجئة صاحبة الأخلاق والمبدأ والكرامة، رغم جهلها وتأخرها الثقافي والمعرفي إلا أنها في النهاية أصبحت نجمة الحي الذي نبذ وجودها في البداية .

أما النجم عابد فهد صاحب الأرشيف المتوهّج والأدوار العملاقة حرص هذه المرة ألّا يكون مكرّراً ، حرص على وجوده الفني كمبدع يبحث عن التجدّد دون أي اعتبار لمجد شخصي ،قدم عمله وأدى دوره في ورشة عمل جماعية وهو مؤمن بالنجاح الجماعي . قدّم شخصية عمران الجشع المرابي الذي يمتلك روحاً تعترض طريقها شوائب نفسية متعفّنة سببها طفولة تعيسة قد عاشها في حي فقير لم يقدّم له سوى الإزدراء و الكره اللذين حوّلاه لشخص جبّار متسلِّط يعيش عمره على أكتاف الفقراء ويأكل من لحمهم . شخصية المرابي تلك وتحديداً بطريقة وصناعة عابد فهد قد اشعلت ثورة نجاحٍ جديد أُضيف إلى رصيده وتاريخه الفني والمهني .

وأخيراً شخصية جميل التي قدّمها طارق تميم صاحب الحضور الكوميدي والذي افتقدنا وجوده كثيراً .
جميل إحدى أهم عناصر نجاح العمل ، يقدم و يأدي دوره بإحساس منفرد، لديه بهاراته الخاصة التي أضحكتنا في مشاهد و ابكتنا في مشاهد أخرى خصوصاً مشاهد الماستر التي كانت مغلّفة بإحساس ممثّل صاحب قضية . هذا التنوُّع في صميم وجوهر الدّور بين الكوميديا والتراجيديا ، قد ارغم الجمهور على التصفيق لشخصية جميل والتأكيد على أنَّه مازال جالساً على مقعده وأنَّ غيابه لم يعد مقبولاً .
مازال الجمهور منتظر لحظة اسدال الستارة واكتمال ملامح العمل ، مازال منتظر برهان النظرية التي حاول صنّاعه فرضها منذ البداية ، مازال منتظر إجابات كثيرة على أسئلة حيّرت كثيرين .
وأخيراً مهما كانت النّظريات والبراهين والإثباتات سيبقى النّار بالنّار عمل ناطق بروح وجسد ، عمل يستحق التوقّف لإعطائه حق كعمل درامي هادف يحمل قضية في زمن اصبحت اغلبية الأعمال الدرامية خالية من اي عنصر ، مغزى أو هدف .



