حكاية نزلات البرد.
يهل علينا نوڤمبر شهر الخريف والحب وبدايات الشتاء ..
يقولون: يكمن في الحب بعض الدفء أو تختص أساطيره في الأيام الباردة، ومن هناك تبدأ الحكايات.
-يا الله، كيف لهذا التناقض الغريب يؤثر فينا بهذا الشكل العاطفي؛ لكي ننتظر الشهر على أحر جمر من النار!
-ماذا لو بدأت تلك اللحظات في الصيف كما تقول فيروز (حبيتك بالصيف)، نلتقى على كورنيش النيل، نأكل مع بعض الچيلاتي، نشرب الحاجة الساقعة، نمسك الأيادي، نقول كلمات رومانسية، نعاتب بعض إن تخاصمنا كل هذا والنيل يمر بقربنا مع بعض نسمات الهواء اللطيفة، نذهب إلى المنزل ونفتح مكيف الهواء على البارد ونشعر بالصقيع، ونلتقى مرة أخرى على الهاتف المحمول ولن تنتهى الحكاية.
أرأيتم هذا أمر بسيط!
أما في شهر نوڤمبر البارد، فلا هناك نيل ينتظرنا، ولا الشوارع ترحب بنا إلا من رجل ما عائد من عمله أو امرأة تذهب بطفلها المصاب بالسعال إلى الطبيب، يختبئ الناس في بيوتهم إما يعانون من نزلات البرد أو أصابهم الإكتئاب من المطر والذعر من البرق والرعد والشوارع التي غرقت في الوحل؛ وينام الناس من المغربية وهنا تنتهي الحكاية.
هذا أمر صعب للغاية، إذن لا داعى لإنتظار نوڤمبر على أي حال.
آه، هناك شيء ما خطر على بالي للتو؛ أي حب يقصدونه في الصيف أو نوڤمبر!
أيقصدون التقاء الحبيب والحبيبة دون زواج أم هناك شيء آخر لا أعرفه!
بالتأكيد لا بد أن تنتهي قصص الحب بالزواج يوماً ما، فلا يوجد قصة حب في علاقة طويلة الأمد بل تتبدل بالعشرة والمودة والرحمة والسكن في كل فصول السنة شئنا أم أبينا.
لا يحلو الشتاء إلا في حضور زوجين ساعات طويلة تحت سقف منزلهما مع الصغار ينثرون فيه لمساتهم من الدفء والحب، يصنعون الشراب الدافيء، يشربونه سويا أمام نشرة الأخبار، يتأملون قطرات المطر يدعون الله فيه، يلعبون سويا الغميضة؛ ويجرون حتى تحمر الوجوه، ثم يجتمعون جميعهم على فراش مثل طريق تراكمت فيه السيارات المحطمة، وفي النهاية لا يحب الأزواج الأيام الشتوية لما فيه من نزلات البرد التي لا تنتهي وتضيع الأموال على الدواء والذهاب إلى الأطباء لكنهم سويا في رحلة حب لا تنتهي.
الشوارع التي تزدحم في الصيف من امرأة تمسك ذراع زوجها يتمشيان سوياً، تحكي له عن عملها وهي تمسك الچيلاتي ليرطب حرارة الطقس بينما يلعب طفلهما اللعوب حتى كاد أن يتوه فيمسكوه ثم يمازحونه فلا يخاف، الطرقات المزدحمة بالسيارات طوال الطريق ويخرج من نافذتها طرف بسكلتة وهم في طريقهم لمصيف ما أو حديقة كبيرة، ثم يجتمع جميعهم تحت مكيف الهواء فيلتقطون نزلات البرد سوياً بينما يضحكون على ما حدث لهم.
ما كتبته لا يحتاج مقالة قصيرة أو طويلة، ولا كلمات لنتذكر أنفسنا، لا يحتاج سوى أحدهم يحب الحياة؛ ويقدر الوقت الثمين الذي يمر في حضن أحبتنا؛ دون أن نبالي بفصول السنة ويبقى مبدأهم (لطالما نحن معاً).


