البريد
رأي

لواء د. سمير فرج يكتب: المأزق الذى وقعت فيه إسرائيل

Adv

نقلا عن المصري اليوم

عندما بدأت المفاوضات المصرية، من أجل الوصول إلى وقف إطلاق النار بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية (حماس) فى غزة، اعتمدت مصر فى الأساس على لقاءات باريس (١) و(٢)، والتى حضرها مدير المخابرات الامريكية CIA ومدير المخابرات المصرية ورئيس الوزراء القطرى ورئيس الشاباك الإسرائيلى والتى وضعت الإطار العام لأى مبادرات وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس مستقبلا.

وبعد أن هدأت أعمال القتال بين إسرائيل وإيران بدأت مصر فى إعداد المبادرة المصرية لعرضها على الجانب الإسرائيلى وحماس فى غزة. وكان أمام مصر المشكلة الكبرى التى كانت حماس تضعها عقبة رئيسية دائما فى قبول أى مبادرة للسلام وهى أن حماس تطلب أن تشمل أى مبادرة وقفا دائما للقتال Permanent cease fire وتحقيق سلام دائم فى أى مبادرة.

على الجانب الآخر كانت إسرائيل ترفض هذا السلام الدائم حيث أعلنت بكل صراحة من رئيس الوزراء الإسرائيلى نتنياهو أن وقف إطلاق النار الدائم وتحقيق السلام، يعنى إعلان هزيمة إسرائيل وانتصار حماس لأنه بعد سبعة شهور من قتال القوات الإسرائيلية أمام حماس لم تحقق إسرائيل أيا من أهدافها الأربعة من القتال فما زال الرهائن الإسرائيليون فى يد حماس وما زالت حماس موجودة ولم يتم القضاء عليها ومازالت غزة لم تقع تحت سيطرة الجيش الإسرائيلى.

أما النقطة الرابعة والتى هدفت إليها إسرائيل منذ بداية الحرب، وهى نقل سكان غزة إلى صحراء سيناء، لم تنجح فى ذلك لأن الرئيس السيسى صمم على عدم تنفيذ هذا الإجراء وكان نجاحا باهرا لرئيس لمصر. حيث أيده فى ذلك وزير الخارجية الأمريكى بلينكن ورئيس المخابرات الأمريكية CIA وليم بيرنز ونائبة الرئيس الامريكى عندما قابلها فى الإمارات.

من ناحية أخرى، كان نتنياهو يرى أن وقف إطلاق النار مع حماس هو هزيمة لإسرائيل، كذلك يرى أنه فى اليوم التالى لإيقاف إطلاق النار الدائم، سوف يخرج نتنياهو من الوزارة، وسوف يحاسب من لجنة المحكمة الدستورية العليا فى إسرائيل، مثلما حدث فى لجنة أجرانات بعد حرب 73. كذلك، سوف يقدم إلى المحكمة الإسرائيلية المدنية فى ثلاث تهم فساد، والتى يتم تأجيلها كل مرة لوجوده على رأس الوزارة الإسرائيلية.

ومن هنا هو يعلم تماما أنه سوف يحاكم مدنيا ويحكم عليه بالسجن، لذلك فإن نتنياهو كان يهدف إلى عدم قبول أى اتفاق سلام دائم مع حماس. ومن هذا المنطلق، قدمت مصر مبادرة السلام بين إسرائيل وحماس، ووصلت بنود المبادرة إلى إسرائيل، وبعد دراستها، وجدت إسرائيل أنه ليس بها أى بند يحدد أن المبادرة تحقق وقف إطلاق النار الدائم Permanent cease fire بين إسرائيل وحماس.

لذلك، وافقت إسرائيل على المبادرة، وهى مطمئنة تماما أن حماس سوف ترفض هذه المبادرة، وهنا تصبح حماس أمام العالم كله هى التى ترفض السلام، ويستمر نتنياهو فى رئاسة الوزارة. رغم كل المظاهرات التى تعم تل أبيب. من عائلات الرهائن التى تطالب رئيس الوزراء بعمل أى شىء لإخراج الرهائن، وتأملات الجنود التى ترفض استمرار الحرب وهنا كان يقول نتنياهو نحن وافقنا على المبادرة، لكن حماس هى التى ترفض، وهذا أعطاه الحق باستمرار الضغط والقتال على الفلسطينيين فى كل أنحاء غزة. والضفة الغربية لإجبارهم على التنازل وتحقيق مطالب نتنياهو.

وجاءت المفاجأة والصدمة لقد وافقت حماس على المبادرة المصرية، حيث نجح المفاوض المصرى فى أن يبدل كلمة وقف إطلاق النار دائم Permanent cease fire إلى وقف إطلاق نار متجدد Extended cease fire أى أنه بعد وقف إطلاق النار فى ثلاث مراحل يمكن تطبيق استمرار وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل فى المرحلة الرابعة.

وجاء قرار حماس بالموافقة على المقترح المصرى ليكون صدمة لإسرائيل، وبالذات لنتنياهو، وأصبح للجميع أمام العالم كله أن حماس وافقت. على المبادرة، وأن القرار الآن فى الملعب الإسرائيلى، وهنا جاء الرد الإسرائيلى لكى ينسف هذه المبادرة حيث قامت إسرائيل باقتحام الطرف الشرقى من رفح، المنطقة الخالية من عناصر حماس بل ويقتحم معبر رفح من الجانب الفلسطينى وبالتالى تتوقف إمدادات المساعدات الإنسانية إلى أبناء غزه خاصة أن إسرائيل تسيطر على معبر كرم أبوسالم وهكذا جاءت هذه قرارات الإسرائيلية لتنسف أى جهود لإيقاف اطلاق النار.

وهكذا. تعقدت المشكلة. كل ذلك بسبب أن نتنياهو يريد إفشال معاهدة السلام ويرفض تطبيقها، ويرى استمرار تطور القتال وعدم قبول وقف اطلاق النار وبذلك نجحت حماس فى أن تلقى الكرة فى الملعب الإسرائيلى، وعلى الطرف الآخر، أصبحت الولايات المتحدة أيضا فى موقف صعب فى أنها مسؤولة عن أمن إسرائيل، ولكن جاء إفشال هذه المبادرة المصرية من نتنياهو وخاصة أن تلك المبادرة المصرية كانت تحت إشراف وليام بيرنز مدير المخابرات CIA، الذى جلس فى المنطقة أكثر من أسبوع فى محاولة لإنهاء وقف القتال.

وزاد ضغط الشارع الأمريكى واعتصامات الطلبة فى الجامعات الأمريكية، احتجاجا على ما تفعله إسرائيل فى غزة من قتل النساء والأطفال وهدم المنازل، مما دفع أمريكا إلى اتخاذ قرار بتعطيل شحنة قطع الغيار والذخائر إلى إسرائيل، وهو أمر صعب للغاية على الجيش الإسرائيلى، حيث إن الحرب الحالية فى غزة استنفدت الكثير من الذخائر الإسرائيلية فى تلك الحرب ضد المبانى فى غزة.

خاصة ذخيرة المدفعية 155 مم وقطع غيار الدبابات والمركبات المدرعة الأمر الذى يضع الجيش الإسرائيلى فى موقف صعب فى الفترة القادمة، وبالطبع جاء هذا التصرف من الرئيس الأمريكى جو بايدن، لأنه لا يريد أن يخسر الأقلية العربية والمسلمة فى الانتخابات الأمريكية القادمة وهى فترة حساسة جدا فى تاريخ أمريكا فى الفترة القادمة.

ويكفى أن الرئيس الأمريكى لأول مرة منذ 30 عاما لم يدع الجالية الإسلامية فى أمريكا لحفل إفطار سنوى فى رمضان فى البيت الأبيض كالعادة التى تتم كل عام بسبب عدم رضاء المسلمين الأمريكيين عن تصرف بايدن لدعم إسرائيل وعدم اتخاذ موقف تجاهها نحو قتل الفلسطينيين من النساء والأطفال، كل ذلك وضع إسرائيل فى مأزق، وأعتقد أنها لم تتعرض له من قبل خلال السنوات الماضية بأن تتأثر العلاقات مع الولايات المتحدة بصورة سلبية، وعلى الطرف الآخر استغل ترامب ذلك ليقف ضد بايدن فى الانتخابات.

وهكذا عاشت إسرائيل هذا المأزق الذى حاولت فيه إيقاف مسيرة السلام بالهجوم على أطراف مدينة رفح والاستيلاء على معبر رفح الحدودى فى الجانب الفلسطينى لكى يتطور المأزق الإسرائيلى أكثر وأكثر خلال الفترة القادمة، وتتعثر الجهود الدولية للوصول إلى سلام فى كل المنطقة، خاصة بعد توقف عبور الشاحنات التى تحمل مواد الإغاثة إلى أهالى غزة ويصبح الأمر كارثة إنسانية، بل دخلت مصر أيضا ميدان التصعيد بإعلانها دعم جنوب إفريقيا ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، تعبيرا عن عدم رضائها عن التصرف الإسرائيلى تجاه وقف السلام فى المنطقة.

نقلا عن المصري اليوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى