البريد
الرئيسيةرأيفن وثقافات

د. محمد السيد إسماعيل يكتب: “وثيقة الأخوة الإنسانية”: إنجاز ملهم لتحقيق السلام العالمي

Adv

سيظل السلام العالمي والأمن والوئام الذي يشمل الجميع والتعاون فيما بينهم على اختلاف معتقداتهم وجنسياتهم ومذاهبهم، من أهم الأحلام التى يسعى الإنسان المعاصر إلى تحقيقها ، في مواجهة الصراعات والحروب التى يرزح تحت وطأتها، وفي هذا السياق يأتي كتاب “وثيقة الأخوة الإنسانية …نحو تعايش سلمي وعالم خال من الصراعات” للدكتور جمال سند السويدي بوصفه تدعيماً لهذا الحلم الإنساني القديم وإثراء نوعياً للمكتبة العربية ، وهو يهدف – بكل فصوله – إلى تعزيز قيم التسامح والمحبة والإخاء ، وهذا ليس غريباً على الدكتور جمال السويدي الذي واجه – بكتبه الفكرية المتنوعة – كل حركات التطرف والإرهاب والعنف والكراهية، ولاشك أن هذه الإنجازات الفكرية هى السبيل الأكثر فاعلية فى حصار الفكر الاستقصائي العدائي الذي يشيع التنابذ والاقتتال بين البشر، وهى – أعنى هذه الإنجازات الفكرية – لاتقل أهمية عن المواجهة الأمنية بل ربما تزيد عليها لأن محاربة الفكر المغلوط لاتكون إلا بالفكر الذى يكشف زيف الأفكار المتطرفة وتناقضاتها وآثارهاالمدمرة .

وبهذا يمكننا تفادي تكرار مآسي التاريخ وحروبه الدينية والطائفية التي راح ضحيتها ملايين البشر .من خلال هذا الوعي المستنير يستعرض دكتور السويدي – في الفصل الأول – إرساء ثقافة وقيم التعايش في الإسلام ، ويوضح أن دعوة الدين الإسلامي ترسي السلام والتعايش السلمي بين الشعوب على اختلاف عقائدهاوتنبذ العنف والعدوان بين الدول والجماعات والأفراد، حيث يزخر القرآن الكريم بالآيات الداعية إلى السلم مثل قوله تعالى ” وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ” وغني عن الذكر أن نقول إن البسملة تحوي قيمة الرحمة ، فالله هو الرحمن الرحيم، كما أن العديد من الآيات الكريمة تؤكد أن الاختلاف بين البشر والأمم، ضرورة كونية وحمة إلهية لأنها – بلاشك – تدعم قيمة التعاون والتعرف الحضاري لا الصراعات والحروب،

ويفند الكتاب في أكثر من موضع مفاهيم التفسير الخاطىء والتأويل المزيف لبعض الآيات القرآنية التي تروج لها جماعات الإرهاب الديني حين يخرجون الآيات القرآنية عن سياقها التاريخي وعن الغرض المحدد الذي نزلت لأجله، وكل ذلك بهدف تحقيق مآربهم .

وفي الفصل الثانى يركز د.جمال السويدي على توضيح ميراثه المنتسب للشيخ زايد والمتمثل في التعايش السلمي والتواصل الحضاري مستنداً في ذلك على أربعة مرتكزات أولها: أن التعايش أفعال وإنجازات ومبادرات ولا يقتصر على الأقوال وثانيها: أن التعايش مع الغير واحترامهم واجب ديني وإنساني على المسلم وليس للمسلم فيه خيار وثالثها: أن التعايش السلمي هو أساس التنمية في الحياة والتقدم والازدهار والسعادة ورابعها : أن التعايش هو أساس الحضارة والصانع لها والجالب لمقوماتها والداعم لأصحابها وكل هذه الأسس مستوحاة من وثيقة الأخوة الإنسانية وبنودها وأهدافها السامية وفي الفصل الثالث يوضح الكتاب أن وثيقة الأخوة الإنسانية موجهة لكل العالم، وليس عالمنا العربي فقط ، وذلك لتحقيق الهدف السامي منها وهو وضع حد للحروب والصراعات بين الدول التي لايدفع أثمانها الباهظة إلا الشعوب المغلوبة على أمرها، كما تهدف الوثيقة إلى إدانة ويلات الإرهاب والعنف القائم على مزاعم تتقنع بالأديان، والأديان منها براء لأنها جاءت لتحقيق سعادة البشر، ونشر الأمن والسلام فيما بينهم .وهو ماينأى بالاديان عن تلك التصورات الجامدة المتشددة المتطرفة التي بدلت جوهر الديانات ورسالتها السامية، على العكس من التصورات التي حولتها من رسالة لإفشاء السلام وروح المحبة والتعاون بين البشرإلى ركيزة لدعاوى التعصب والكراهية والتنافذ والحروب .وعلى هذا تعد الوثيقة من أهم الركائز المهمة في الحوار العالمي من أجل التعايش والسلام .

ثم يتجه دكتور جمال السويدي – في الفصل الرابع – إلى عرض التجارب والتحديات التي تقف عقبة في وجه فرص التعايش والحوار بين الأديان رغم الإدراك العام بأن التعايش السلمي هو المقدمة الحقيقية الأساسية لتحقيق أى تقدم وحضارة كما أنه – أى التعايش السلمي – يعد ضرورة حتمية في المجتمعات التي تتشكل من عرقيات مختلفة وديانات متنوعة، وهو مايعنى أن بناء الدول على أسس قانونية مدنية يتساوى أمامها الجميع على اختلاف أعراقها وأديانها أمر لاشك فيه ولا غنى عنه .

وفي الفصل الخامس يتناول الكتاب جهود دولة الإمارات العربية المتحدة من أجل تحقيق التسامح والتعايش السلمي على المستويين الإقليمي والدولي وهذا يعني أن وثيقة الأخوة الإنسانية التى باركها ووافق عليها كل من فضيلة شيخ الأزهر دكتور أحمد الطيب والبابا ” فرانسيس ” بابا الفاتيكان لم تأت من فراغ لكنها جاءت بوصفها ثمرة لجهود كثيرة سابقة على مدار فترة طويلة من الزمن بدأت عام 1971إلى عام 2021وكان لهذا مردوده الإيجابي المؤثر في الضمير الجمعي للأمم والشعوب، إلى درجة جعلت معظم الدول والمنظمات والهيئات الدولية تنظر – عن قناعة – إلى أهمية بنود هذه الوثيقة .

وفى الفصل السادس والأخير يقدم د.جمال سند السويدي رؤية شاملة لدعم تنفيذ بنود وثيقة الأخوة الإنسانية وتجعلها مطلوبة ومرغوب فيها فى الرأى العام خاصة وسط مجتمعات مازالت أسيرة أفكار وسلوكيات قديمة موروثة يغلب عليها كراهية الآخر المختلف والتعالي عليه والنظر إليه على أنه يعيش في ضلال وأن الأنا – وحدها- هي التي تمتلك الحقيقة المطلقة وكل ذلك بسبب شيوع لأفكار الجماعات الدينية والسياسية المتطرفة، ومن هنا يؤكد دكتور جمال سند السويدي أن هذه الأفكار المتطرفة العنفية المغلوطة تمثل تحديات كبيرة تنبغي مواجهتها وهو مايحتاج إلى فترة زمنية طويلة نسبياً، والتأني فى تنفيذ استراتيجية وثيقة الأخوة وتحقيق أهدافها المرجوة التي يمكن تقسيمها إلى أهداف عاجلة وقصيرة المدى وأهداف بعيدة المدى على النحو الذي توضحه الوثيقة التي تسعى إلى ترسيخ ثقافة وقيم الأخوة الإنسانية في الوعي الجمعي لشعوب العالم وفي وجدان الإنسان فى كل مكان .وبهذا يمكننا الحديث عن ” عالم خال من الصراعات ” وذلك انطلاقاً من الفهم العميق للمبادىء الأساسية للوثيقة والإيمان الراسخ بقيم الإسلام ورسالته بوصفه ديناً يدعو لعلاقة تعايش وتعاون بين البشر تقوم على الرحمة والإحسان والعدل والتقدير المتبادل بين البشر.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى