الرئيسيةرأي

ياسين غلاب يكتب: ما هو النظام العالمي؟!

Adv

لم يتوقف تناول هذا المصطلح منذ معاهدة ويستفاليا وحتى الآن ويقصد به ببساطة الحد الأدنى للتوافق بين القوى العالمية على إدارة العمل وتقسيمه في العالم وكأن العالم شركة كبيرة بين مجموعة قوى. بعد الحرب العالمية الثانية تأسس نظام عالمي من القوى المنتصرة في الحرب وتحديدًا هي الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي وبريطانيا العظمى ولأن الأخيرة تدهورت قوتها فأصبح النظام يطلق عليه ثنائي القطبية في إشارة إلى واشنطن وموسكو فقط. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991؛ أصبح هذا النظام أحادي القطبية حيث تولت الولايات المتحدة إدارة شئون العالم وفق رؤيتها الخاصة. بعد الحرب الروسية الأوكرانية تجدد الحديث عن حاجة العالم لنظام متعدد الأقطاب لظهور قوى جديدة مثل الصين والهند ومطالبة أفريقيا بمقعد لها في مجلس الأمن.

إذن فمفهوم النظام العالمي هو مفهوم يعتمد على القوة، القوة الشاملة التي تحكم التفاعلات السياسية والاقتصادية والعسكرية بين دول العالم. كنتيجة لكل حرب؛ يتشكل نظام عالمي جديد؛ فالنظام الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية نشأ عنه مؤسسات دولية ما زالت باقية حتى اليوم فالأمم المتحدة حلت محل عصبة الأمم التي تأسست قبلها بموجب معاهدة فرساي في العام 1919 وانحلت عام 1946 بعد أن أثبتت فشلها في الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين. استطاعت الأمم المتحدة أن تحل عددا من المشكلات الدولية فيما فشلت في حل أخرى. تضم الولايات المتحدة حوالي 197 دولة من بينها دولة الفاتيكان التي لا تملك حق التصويت.

في يوليو 1944 وقبل نهاية الحرب حيث تبين للعالم في ذلك الوقت أن الولايات المتحدة الأمريكية هي أكبر قوة على وجه الأرض بالمفهوم الشامل لها، استبقت تشكيل الأمم المتحدة ووضعت القواعد المالية التي رأت أنها تؤسس للنظام العالمي بعد الحرب وهي القواعد التي رسخت الدور الرئيسي للدولار كبديل للجنيه الاسترليني حيث دشنت الولايات المتحدة ما عرف باسم “اتفاقات بريتون وودز” والتي تمخض عنها مؤسستين أساسيتين تحكمان النظام المالي حتى الآن هما البنك الدولي للإعمار والتنمية والذي تحول فيما بعد إلى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

لكي يحتفظ المنتصرون في الحرب بوضع معين في هذا النظام؛ أنشى مجلس الأمن والذي يتكون من 15 دولة عضو منها 5 دول تتمتع بحق النقض “الفيتو” على أي قرار تأخذه الأمم المتحدة ومهمته الرئيسية هي صون السلم والأمن الدوليين وهذه الدول هي الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي (روسيا حاليا) وبريطانيا وفرنسا والصين.تم تشكيل هيئات أخرى كثيرة تابعة للأمم المتحدة مثل الجمعية العامة والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والصحة العالمية والفاو ومجلس حقوق الإنسان ..إلخ.

كانت الولايات المتحدة ومعها بريطانيا وفرنسا وغيرها من دول الغرب ترى في النازية حلاً للأزمة العالمية التي ضربت العالم في 1929 والذي أطلق عليه الكساد الكبير وحلاً لأزمة الرأسمالية، فدعمتها في البداية وعندما تبين للغرب شرورها تحالف مع الاتحاد السوفيتي لهزيمتها واشتعلت الحرب العالمية الثانية على هذا الأساس. بعد انتصار الحلفاء في الحرب واختلافهم على تقسيم العالم في مؤتمر يالطا 4 فبراير 1945 وبعده مؤتمر بوتسدام الذي شطر أوروبا إلى نصفين حيث رسم خط أودر نايسه والذي أطلق عليه تشرشل الستار الحديدي، أطلق الرئيس الأمريكي شرارة الحرب الباردة التي انتهت بانهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 وتحول العالم إلى نظام أحادي القطبية حيث ترسم الولايات المتحدة خطوط التفاعلات الدولية.

ما هو النظام العالمي القائم على القواعد؟

رأت الولايات المتحدة أن عليها أن تظل ملتزمة بمؤسسات النظام الدولي وضبط بوصلته بحيث تستفيد واشنطن من الظهور المتدرج للقواعد والمعايير والأعراف التي تعمل على استقرار السياسة العالمية لكنها من وجهة نظرها والتي ستحمي مصالحها في المقام الأول وحلفائها في المقام الثاني باعتبارها القطب الأوحد في العالم.

لذلك بدأت واشنطن وحلفاؤها في فرض نظام عالمي جديد أطلق عليه النظام العالمي القائم على القواعد، بدلا من القائم على القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وباقي المؤسسات التي تشكلت بعد الحرب العالمية الثانية وفي الحرب الباردة إلى تفكك الاتحاد السوفيتي في عام 1991.

كانت هذه القواعد التي فرضتها واشنطن الترويج للديمقراطية والدفاع عن حقوق الإنسان ومكافحة الإبادة الجماعية وضرورة أن لا يهدد النظام القائم أي شيء على الاستمرار باعتباره هيكل أساسي للاستراتيجية الأمريكية العالمية وما يتعلق بذلك من ثقافة أو سياسة إلخ.

هذا التغيير أظهر عدة مهددات لهذا النظام تمثل في أن بعض الدول الكبرى مثل روسيا والصين والهند والبرازيل وغيرها من الدول المحورية في العالم ترى أن الكثير من مكونات هذا النظام مصممة لتقييد قوتها من جهة والحفاظ على ديمومة الهيمنة الأمريكية من جهة أخرى وأن ذلك أنتج تقلبا نتيجة انهيار بعض الدول بسبب الأزمات الاقتصادية وأدي ذلك إلى تغيير سياسات محلية لكثير من الدول وزاد على ذلك أن الاقتصاد العالمي بدأ يتباطئ واتسعت الفجوات بين دوله خاصة بين الشمال والجنوب، وبالتالي فإن شرعية النظام أصبحت محل شك لأن شرعيته تستند إلى عدد الدول التي تستفيد منه بشكل مباشر.

بعض الدول رأت أن هذا النظام القائم على القواعد يهدد أمنها القومي مثل روسيا حيث استخدمت الولايات المتحدة الديمقراطية وحقوق الإنسان في الانقلاب على نظام الحكم فيها مما جعلها تقدم على الحرب كوسيلة لإنهاء هذا التهديد؛ فيما رأت فيه دول أخرى أن به مواطن قوة يمكن الاستفادة منها مثل العولمة كما فعلت الصين. ولذلك عارضت دول مثل روسيا والصين وهما دولتان عضوتان في مجلس الأمن قواعد حقوق الإنسان والديمقراطية بالمفهوم الغربي إلا أنها دعمت معايير السيادة وسلامة الحدود كما حدث في الدول التي وقعت فيها أحداث ما يسمى بالربيع العربي.

نحو نظام عالمي جديد

يمكن القول أن النظام العالمي الحالي أو الراهن لا يزال يتمتع ببعض المصداقية ولا تزال أفق نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب لم يتحدد بعد وهل هو في طور التشكل أم أن الرياح قد تأتي بما لا تشتهي السفن وتتمكن الولايات المتحدة ومعها حلفاؤها من فرض رؤيتهم لنظام عالمي قائم على قواعد تضعها واشنطن وحلفاؤها.

لا يزال النظام الراهن يمتلك بعض عناصر القوة مثل قوة الولايات المتحدة نفسها ومشاركتها الكبيرة في تمويل ورعاية وتطبيق أسسه خاصة المؤسسات الدولية الشرعية مثل الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية بالإضافة إلى الكثير من المنظمات الدولية الأخرى محددة القضايا والموضوعات مثل المجلس الاقتصادي والاجتماعي وحقوق الإنسان ومحكمة العدل الدولية ومجالات مراقبة الملاحة الجوية والمعايير الإلكترونية وقواعد المحاسبة وعشرات المعاهدات القانونية الدولية بداية من أنظمة التحكم وحتى قوانين الحرب والملاحة البحرية إلخ.

إلا أن ما يهدد النظام الحالي نفسه هو الليبرالية التي يصف نفسه بها في هذه الليبرالية والليبرالية الجديدة تميل إلى النزعة الإمبريالية والتوسع في رؤية الغرب الخاصة للعالم وفرض مفهومه عليه مما أدى إلى وقوع الولايات المتحدة والغرب في كثير من الانتهاكات للقانون الدولي مثل الحرب على العراق ويوغسلافيا وليبيا وأفغانستان. من ناحية أخرى لم يحاول الغرب أن يوسع مثلا حلف الناتو الذي يسيطر عليه بالكامل فلم يضم روسيا رغم طلبها الانضمام إلى الحلف ولم يدخل الصين في أي من مؤسساته الأمنية أو العسكرية رغم أن الدولتين نوويتين ولهما مقاعد في مجلس الأمن مما أشعرها بأن هذا النظام لا يحقق لهما مصالحهما ولا أمنهما.

أدى هذا المنطق المهيمن للنظام العالمي القائم على القواعد الغربية إلى سعى دول أخرى لإقامة تحالفات ثنائية ومتعددة خارج السيطرة الغربية بعد أن أقدم الغرب نفسه على ذلك فكون ما يسمى بالشراكة العابرة للمحيط الهادي وأنشأ تكتلات اقتصادية معينة أقصى منها دولا عديدة يراها لا تشاركه نفس الأفكار ولا المبادئ. هذا المنطق نفسه الذي كون منظمة التجارة العالمية وفرضت على العالم أجهضت الولايات المتحدة نفسها حيث فرضت قيودا على التجارة التي لا تميل لصالحها، وأجهضت بذلك فكرة العولمة من أساسها.

تفرض الولايات المتحدة نظام التجاة الحر على العالم ومبدأ حرية الملاحة إلأ أن واشنطن نفسه لا توقع على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والمياه الإقليمية والمياه الدولية، من جهة أخرى تعترض الصين على ممارسة الأمم المتحدة للتقاضي بشأن قضايا السيادة الإقليمية خاصة في بحر الصين الجنوبي رغم استخدام الولايات المتحدة لقوتها في فرض عمليات حرية الملاحة لإجبار الصين على الدخول في مفاوضات مع جيرانها.

ترى كثير من الدول أن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي يعزز قيم وأعراف لا تحقق مصالحها بل تحقق مصالح الولايات المتحدة وحلفائها فقك، كما أن رفض أمريكا لتعديل التصويت في صندوق النقد الدولي سبب الخوف من إنهاء الفيتو الأمريكي بما يهدد تأثير المؤسسة على العالم مما جعل الصين تنشئ البنك الأسيوي كبديل لصندوق النقد الدولي.

استخدمت الولايات المتحدة وحلفائها قواها الشاملة سواء العسكرية أو الناعمة في إذكاء التوترات والخلافات في الكثير من دول العالم وجاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتزيد من انقسام العالم فرغم أن كثيرا من دول العالم أدان انتهاك سيادة الدولة الأوكرانية إلا أن 40 دولة فقط فرضت عقوبات على روسيا. فهل سيتمخض عن الحرب الروسية الأوكرانية نظام عالمي جديد؟

 

 

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق