الرئيسيةرأي

محمد الجوهري يكتب: “سيكوباتية” الشبكة العنكبوتية

Adv

وقفت حائرة من أين ستبدأ وماذا ستقول لوالدتها.. هل أحسنت التصرف أم لا، عندما رفضت مجاراة – من اعتبروها مغامرة- وأخذوا يتبادلون صورًا لبعضهم البعض ما بين أزواج وزوجات أصدقاء شباب وفتيات.. ليفضح أحدهم الآخر كنوع من التشفي والانتقام بالتشهير.. رأت أنهم تحدوا أنفسهم والقيم المجتمعية والتربوية، ولكنها فوجئت برد أكثر شيطانية عندما قالت لها: “طيب نزلي صورة أبوكي شوفي هيقولوا إيه”.

هل كانت صائبة في قرارها بعدم المشاركة، حينما رأت أنه لا يجوز التشهير بأي إنسان مهما كانت الطريقة، ليس فقط لأن القانون يُجرم هذا الأمر، وأنه يندرج تحت جريمة التدخل في الحريات الشخصية والتنكيل.. بل إنه يتعلق بالأخلاق والإيمان والعقائد وضمائِرنا.

التطور التكنولوجي والثورة التقنية، وانتشار الأجهزة الذكية، أحدثت “غباءً اجتماعيا” بعد أن فتحت الباب سهلا أمام الجميع لمنصات التواصل الاجتماعي، التي تتنافس فيما بينها لجذب المستخدمين، حتى أُصيب عدد كبير منهم- وأتمنى ألا أكون مبالغًا- بالـ”هوس والإدمان”.

ومع غياب الرقابة و”الفراغ” لدى شريحة لا تحظى بفرصة عمل تصل نسبتها نحو 12.8% في الفئة العمرية 15 حتى 65 عامًا، انتشرت حملات جرائم على الإنترنت من بينها التشهير- عن قصد أو دون ذلك.

ولم يعد التشهير مقصورًا على الشخصيات السياسية أو “المشاهير” دون غيرهم، فالمجموعات التي أنشأتها بعض الفتيات خلال الأيام الماضية تحت عنوان “I know him” لفضح الشباب، الذين كانوا على علاقة بفتيات أخريات- حسب وصفهم- وكذلك التي أسسها شباب بعنوان “I know her”، وقالوا عنها حملة مُضادّة، كلاهما انتشر بشكل سريع خلال ساعات فقط، برغم أن أكثرهم شخصيات عادية، وهما أيضًا تشهير.

ويجب أن نفرق بين حملات التشهير وكشف المفاسد، حتى لا نخسر في النهاية أنفسنا، فقد يكونوا من ارتكبنا بحقهم هذا الجرم أبرياء.. ولأن تلك التصرفات غير المسئولة خطيرة للغاية، يجب الابتعاد عنها؛ حتى لا تكثر الخلافات ويتفرق أفراد الأسرة والمجتمع.

ويرى علماء النفس أن التفكك الأسري والفراغ.. من الأسباب التي دفعت بعض الشباب للتطرف والإرهاب، كما يحللون الشخصية التي تشهر بزملائها أو بالمنافسين “سيكوباتية” تعمل ضد القيم الاجتماعية والأخلاقية، تجيد تمثيل دور الإنسان العاقل كما يكون لديه قدرة كبيرة في التأثير على الآخرين والتلاعب بأفكارهم.

في مجتمعنا الكثير من هذه الشخصية الـ”سيكوباتية”، خاصة مع انتشار الإنترنت، فنجد شخصيات تسعى لإيذاء من حولهم- وليس بالضرورة يعرفونهم حق المعرفة- فقط ليرضون غرائزهم، ولكن الجزء الأصعب أنهم لا يشعرون بالذنب تجاه أي ضرر يلحقونه بالآخرين.

خلاصة القول، تلك الظاهرة عرض لمرض من جملة الأمراض التي ابتلي بها شعبنا عندما انهال على التكنولوجيا من دون وعي، وعاش في عالم افتراضي، عندما غرق في الفوضى التي أوجدتها حوله الظروف.. فوضى السياسة وما أعقب ثورة 25 يناير من تطورات متلاحقة.

فوضى الإعلام والسيل الجارف من المواقع التي تستبق لاقتناص عقل وغريزة القارئ من أجل “الترافيك”،. فوضى هنا وفوضى هناك في ظل تراجع القيم وتدني السلوك وانهيار منظومة التعليم.

إلى أين سنصل؟ ظني أنه لو لم تشهد مصر ثورة أخلاقية سنرى ما هو أبشع من ذلك، ولا أريد أن أكون نذير شؤم وأرفع سقف الخوف، لكن الحقيقة أن الوضع ليس مبشرًا في ظل فوضى الأخلاق وعشوائية السلوك.

التشهير بشخص ما بهدف الإساءة والنيل من سمعته بأي وسيلة جريمة.. و”الخطأ لا يعالج بمثله”.. ومن يجرؤ على قول الحقيقة؟.. وأن محاربة الجرائم تبدأ بتنظيف المجتمع مما علق به من أمراض استفحلت واتسعت لتطال الجميع.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق