الرئيسيةرأي

هنادي خليفة تكتب: الإرشاد والتوجيه مسار سريع لبناء المواهب النسائية الجديدة في القطاع المالي

Adv

كشفت مستجدات سوق العمل على موقع “لينكدإن” عن أخبار مبشرة للغاية هذا الصيف. تُظهر ارتفاع معدلات تعيين النساء، وهي التي شهدت خلال المراحل الأولى من تدابير الإغلاق الشامل انخفاضاً أخذ شكل حرف U لتستعيد عافيتها بالكامل خلال شهري يونيو ويوليو الماضيين. وباستثناء قطاع التصنيع، ارتفع تمثيل المرأة في قطاعات الأعمال خلال مرحلة الإغلاق الشامل وواصلت معدلات تمثيلها الصعود في الأشهر اللاحقة لهذه المرحلة. وفي هذا السياق، قال بي يينغ تشوا، كبير الخبراء الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في “لينكدإن”: “جاءت إجراءات الإغلاق الشامل لتعزز من قبول نموذج العمل من المنزل بدعم من ساعات العمل المرنة، لتقدم للنساء فرصة قيّمة لإعادة بناء مسيرتهن المهنية والبدء بمناصب وظيفية جديدة”.

ولوحظ أن معدلات تمثيل المرأة كانت أعلى في القطاعات التي تتميز بالفعل بتطبيق معايير المساواة بين الجنسين على غرار الخدمات المؤسسية، والتعليم، والرعاية الصحية، والإعلام، والاتصالات الإعلامية والتسويقية. وارتفع ذاك التمثيل بنسبة 8% بالمتوسط، مقابل ما معدله 4% فقط في القطاعات التي بدأت بمستويات أدنى من تكافؤ الفرص على غرار السلع الاستهلاكية، والتمويل، والتصنيع، والبرمجيات.

وقبل تفشي الجائحة، شهدت معدلات التحاق النساء بالقوى العاملة في منطقة الشرق الأوسط زيادة ثابتة. فنحو 5% فقط من الرؤساء التنفيذيين للشركات الرائدة في المنطقة من النساء، في حين بلغ معدل توليهن للمناصب الإدارية العليا 29% في عام 2019 – وهو معدل تمثيل معقول لما يجب أن يكون أعلى نسبياً. ويظهر تقرير صادر في عام 2019 عن شركة “أوليفير وايمان” بأنه على مستوى العالم، تشغل النساء 20% من مناصب اللجان التنفيذية و23% من مناصب مجالس الإدارة، في حين يشغلن 6% فقط من مناصب الرئيس التنفيذي في المؤسسات المالية. وعلى أي حال، تقوم منطقة الشرق الأوسط – التي تعتبر واحدة من أكثر مناطق العالم تعقيداً للقائدات النساء – بتغيير هذا التوجه تدريجياً، حيث تتولى النساء مناصب قيادية في القطاع المالي. ويشتمل العدد المتزايد من النساء النافذات في القطاع المالي بمنطقة الشرق الأوسط على اللاتي يعلمن في البنوك ومؤسسات الاستثمار وشركات القوانين المالية والاستشارات.

وبصرف النظر عن التحديات الناتجة عن تفشي الجائحة، من المحتمل أنه في بعض هذه الحالات – إن لم يكن في العديد منها – اضطرت معظم تلك النساء اللواتي نجحن في تولي مناصب مؤثرة، إلى مجابهة التحيزات الاجتماعية للوصول إلى وضعهن الراهن. ومع صعود معدلات مشاركة النساء في القطاع المالي، وتزايد أهمية الأدوار التي يقمن بها، تبرز إلى الواجهة أهمية إرشادهن في خضم رحلتهن المهنية أكثر من أي وقت مضى. ولا يمكن لهذا الإرشاد أن يكون على أجزاءٍ أو مراحل. بل يتعين توحيده ضمن إطار متين. ولابد من وضع البرامج الموجهة لتمكين نمو النساء في القطاع المالي ليرتقين من المناصب المتوسطة إلى العليا، لاسيما خلال مرحلة توصف بأنها محطة حيوية ضمن مسيرتهن المهنية، ويحتجن خلالها إلى دعم إضافي لتحقيق التحول المنشود. وينتظر كل من النساء والرجال من قادة قطاعات الأعمال دور كبير ليلعبوه لتعزيز تأثير برامج الإرشاد والدعم لتمكين نمو زميلاتهم من النساء، لاسيما القادة والقائدات الذين تلقوا دعماً كبيراً على طول مسارهم المهني.

في الوقت الذي تحتاج فيه الشركات للتركيز على بذل مزيد من الجهود الإيجابية لضمان تحقيق المساواة بين الجنسين، من خلال نظام تخصيص نسبة من المناصب للنساء أو تأسيس برامج التوظيف النسائية، فإنها تحتاج أيضاً لتوجيه المزيد من الاهتمام نحو تعزيز أوجه إرشاد المرأة لمواكبة المتطلبات الجديدة والناشئة للعمل في القطاع. وبالنظر إلى الطبيعة المتغيرة للعمليات المالية، والمتمثلة بتكاملها المتزايد من التقنيات الرقمية من جهة وتركيزها المتصاعد على تقديم الإرشاد التشغيلي والاستراتيجي من جهة أخرى، تظهر في الأفق تحديات وظيفية معنية بتولي النساء للمهام في الميادين المالية. وقد أظهرت الجائحة بأن النساء اللاتي يتمتعن بالمهارات الرقمية، بما يشمل التقنيات سريعة الانتشار مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات، تمكنّ من تخطي تداعياتها بشكل أفضل مقارنة باللاتي امتلكن المهارات الرقمية الأساسية فقط. ومن شأن مثل هذه النتائج الناجحة أن تشكل أساس البرامج المخطط لها بأسلوب يتيح للنساء الاستمرار بصقل مهاراتهن واكتساب مجموعة جديدة من المهارات.

إن ارتفاع عدد النساء اللاتي يتولين مناصب قيادية عليا في المنطقة ما هو إلا انعكاس جلي لطموح دول الخليج التي تسعى جاهدة إلى حفز وتيرة نمو اقتصاداتها والتخفيف من اعتمادها على العائدات النفطية. وعلى الرغم من أن النساء اللاتي يمتلكن الطموح وذهنية الريادة والثقة بإمكاناتهن يشكلن أقلية نسبياً بين إجمالي نساء المنطقة، فإن نجاحهن المستمر سيساهم في تحقيق تكافؤ الفرص وسيمهد الطريق لنساء أخريات للشروع في مسارات مهنية تضعهن في القمة.

وتبدأ زيادة فرص النساء للتقدم نحو الأدوار القيادية في المؤسسة بفهم مسارات العمليات الداخلية لتحديد المعوقات التي تحول دون تقدمهن، ووضع أهداف قابلة للقياس في المقابل لتحقيق المساواة المطلوبة. وفي نهاية المطاف، يتعين على المؤسسات تطوير ثقافات مؤسسية داعمة للنساء اللواتي يتطلعن لتحقيق التوازن الأمثل بين الحياة المهنية والشخصية، بدلاً من الإكثار من الثقافات التي تعاقبهن على كل محاولة لإحلال التوازن بين الأولويات. ومع دخول الشركات والعمليات المالية تحديداً في طور من التحول، ستقود برامج الإرشاد إلى تمهيد طريق النساء لتحقيق أفضل مستويات النمو والمرونة والابتكار ضمن بيئات العمل.

فدعونا لا ننسى أن فائدة القيادات النسائية لا تقتصر على الأعمال وحسب، فالمرأة ركن أساسي لتأسيس أنظمة اقتصادية أكثر استدامة وقادرة على الاكتفاء الذاتي والصمود في وجه الأزمات. وقد وجدت دراسة أعدتها شركة “اس إم بي العالمية لبحوث السوق” أن الشركات التي تضم قيادات مالية وتنفيذية نسائية تحقق أرباحاً أعلى من التي يقودها الرجال. فقد حققت الشركات التي تقودها النساء 1.8 تريليون دولار في إجمالي أرباحها بمعدل يتجاوز متوسط الأرباح في القطاع. ويمثل ذلك حافزاً كبيراً لتشجيع المؤسسات على توجه جهودها نحو إرشاد النساء ومساعدتهن على النمو، كوسيلة لتحقيق النجاح والازدهار المؤسسي المستدام على المدى الطويل.

بقلم هنادي خليفة: مديرة العمليات في الشرق الأوسط وأفريقيا والهند لدى معهد المحاسبين الإداريين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق