البريد
اقتصاد وتكنولوجيا وعلوم

المرأة في الإدارة المالية: حان الوقت لتبدأ المؤسسات بتطوير منظوماتها بدل الاكتفاء بالتكيف

Adv

أصبح مفهوم التنوع يتمتع اليوم بآفاق أوسع من مفاهيم التوازن بين الجنسين واحترام الأعراق أو الأديان وحسب؛ ليتطور إلى مجموعة متنوعة من الأفكار ومنها الذهنية التقدمية التي تتيح للأعمال تحقيق مزيد من الإنجازات اللافتة على صعيد الأداء. فقد أظهرت دراسة أجرتها مجموعة بوسطن الاستشارية أن الشركات التي تتمتع فرقها الإدارية العليا بنسبة أعلى من المتوسط من حيث التنوع، نجحت بتحقيق عائدات أعلى على الابتكار بنسبة 20٪ تقريباً مقارنة بالشركات الأقل تنوعاً من المتوسط، ما يعني أن التنوع ميزة مثالية لنمو الأعمال وتطورها. وفي واقع الأمر، تمتلك النساء القدرة على رفد الشركات بمنظور وخبرات مختلفة، فالمنهجية التي يتبعنها وطبيعة إدراكهن للأعمال عنصران حاسمان في تأسيس ونجاح بيئات العمل عالية الأداء. وفيما يلي أسباب ذلك.

هنادي خليفة، مديرة العمليات في معهد المحاسبين الإداريين في الشرق الأوسط وأفريقيا والهند

وإلى جانب الدور الهائل الذي يلعبه التنوع في استقطاب المواهب الجديدة والاحتفاظ بها؛ ففي غضون أول عامين من تعيين مدراء ماليين من الإناث، شهدت الشركات زيادة بنسبة 6٪ في الأرباح وعائداً أفضل على الأسهم بنسبة 8٪، وذلك وفقاً لدراسة بحوث السوق العالمية الصادرة عن “ستاندرد آند بورز “.

ورغم ارتفاع نسبة الرجال الذين يشغلون منصب المدير المالي مقارنة بالنساء بحوالي 6.5 إلى 1، فقد أوضحت الدراسة أن النساء حققن 1,8 تريليون دولار من الأرباح التراكمية الإضافية مقارنة بأقرانهن من الرجال. فمثلاً، حققت شركة عيّنت مديرة مالية أرباحاً تجاوزت الـ 200 مليون دولار، وهو ما يزيد تقريباً بنحو 30 مليون دولار عن المتوسط (175 مليون دولار) الذي حققته الشركات الأخرى المماثلة.

وعليه، عدد النساء اللواتي يشغلن وظيفة المدير المالي أدنى في الشركات المدرجة على قائمة فورتشن لأكبر 500 شركة في العالم. فقبل عامين فقط، كان هناك أقل من 65 مديراً مالياً من الإناث في هذه القائمة، ويعد هذا النقص في توظيف الإناث بمناصب المدير المالي جزءاً من فجوة أكثر اتساعاً في أعداد الإناث اللواتي يشغلن مناصب تنفيذية عليا في المجالات المالية. وبشكل عام، تتمكن قلة من النساء فقط عادة من تبوأ مناصب قيادية تشكل نقطة انطلاق لهن لشغل المناصب الأعلى.

وتميل النساء اللواتي ينجحن بتبوء مناصب تنفيذية إلى الاضطلاع بأدوار في أقسام الموارد البشرية أو التسويق أو المبيعات، الأمر الذي يعد مدعاة للقلق، ففي الولايات المتحدة وحدها، تشكل النساء أكثر من 50٪ من الحاصلين على درجات البكالوريوس في المحاسبة. وبحسب أرقام مكتب إحصاءات العمل الأمريكي، تشغل النساء أكثر من 60٪ من وظائف المحاسبة والتدقيق. لكن، ولسبب ما، لا تُترجم هذه الأغلبية في المناصب الصغيرة إلى مناصب تنفيذية عليا.

ويشير تقرير آخر صارد عن كلية هارفارد للأعمال إلى أن نسبة النساء في المناصب العليا لدى شركات رأس المال الاستثماري  والشركات المساهمة الخاصة بالكاد تصل إلى 9٪ و6٪ على التوالي. أما في شركات إدارة صناديق التحوط، فقد انخفضت هذه النسبة إلى 3٪ فقط. ومما يدعو للاستغراب، أن هذه النسب منخفضة للغاية على الرغم من حصول النساء على غالبية الشهادات الجامعية في العلوم المالية والمصرفية. وتشير دراسة لموقع “جلاس دور” إلى أن 61% من الرجال يحصلون على شهاداتهم الجامعية في العلوم المالية والمصرفية عندما تتقدم مسيرتهم المهنية للأمام. فهل يمكن أن يشكل الرضا بأداء وظائف ذات مسؤوليات محدودة أو تفضيل الاستمتاع بالحياة الشخصية عوضاً عن المسيرة المهنية الحافلة أسباباً لندرة تبوء النساء لمناصب عليا في الإدارة المالية؟

وكانت دراسة أعدها “المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية” في الدنمارك قد حددت عدة أسباب وراء عدم تقدم مسيرة النساء المهنية. فعلى ما يبدو، تميل النساء، حتى اللواتي يعشن في البلدان المتقدمة ويتمتعن بمسيرة مهنية حافلة، إلى قضاء المزيد من الوقت في تربية أطفالهن وبالتالي الاضطرار للعمل لساعات أقل والانقطاع عن العمل لفترات أطول، ومن المرجح أن ينتقلن إلى وظائف أقل تطلباً بفرص نمو ورواتب أقل. وفي ضوء تلك المعطيات، فلا عجب أن دولاً مثل فنلندا تفرض إجازة الأبوة كوسيلة لمنح النساء مزيداً من الراحة، الأمر الذي يلقي بالمسؤولية على عاتق الشركات لتضفي مزيداً من المرونة على ثقافة عملها لتمكين النساء المرشحات اللواتي يتطلعن لشغل مناصب عليا يستحققنها بجدارة من بلوغ أهدافهن.

وعلى الصعيد العالمي، يجب أن يشكل تنوع القوى العاملة انعكاساً للتنوع الموجود داخل المجتمعات، الأمر الذي يتطلب من المؤسسات التعاون وتضافر الجهود في تطوير منظومة عمل مواتية تمنح النساء القدرة على استكشاف إمكاناتها الحقيقية وغير المستغلة. فالقطاعات الاقتصادية سريعة النمو، على غرار المؤسسات المالية، تشكل مستودعاً للفرص التي يمكن للنساء التقدم من خلالها. فالمرأة تمكنت خلال العقد المنصرم من تحقيق تقدم بطيء ومطرد بهذا الخصوص، فعند العودة إلى عام 2006، كانت نسبة النساء التي يشغلن منصب المدير المالي في قائمة فورتشن لأكبر 500 شركة في العالم 6,8%. ففي ظل بروز الأصوات التي تطالب بالمساواة بين الجنسين، الذي يعد عاملاً مشتركاً في الشركات اليوم، فقد حان الوقت لوقف المنظومة التي تفرض على النساء التكيف مع أنظمة العمل التي يهيمن عليها الرجال، والعمل على تطوير أماكن العمل  تتيح لهم الارتقاء لطموحاتهن وتحقيق أحلامهن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى