البريد
الرئيسيةرأيفن وثقافات

بيار الخورى يكتب: فرصة وطنية لمواجهة كورونا في أيدي كبار المُودِعين في لبنان

Adv

بغضّ النظر عما سيَؤول إليه مشروع قانون “ضوابط رأس المال” أو “الكابيتال كونترول” في لبنان للتعامل مع مأزق حجز المصارف على ودائع المُودِعين المُستمر منذ أواخر الصيف الماضي، والذي تفاقم بالتدرّج مع انزلاق الإقتصاد اللبناني يوماً بعد يوم وشهراً بعد شهر نحو انهيار مُتسارِع، فمن الصعب التصوّر بأنه يُمكن إعادة أموال الناس إلّا بتنفيذ صِيَغٍ قاسية جداً على توزّع الثروة الوطنية.

جاءت جائحة كورونا لتزيد الوضع النقدي بلاءً على بلاء، مع توقّف أكثر من سبعين في المئة من النشاط الإقتصادي وتعطّل نظام دوران المال والتدفقات النقدية.

بعد كل هذا نحن اليوم في وضعٍ تُشَلُّ فيه كل المبادرات الخاصة بإيجاد آلية للتعامل مع حجز الودائع، لكن ذلك قد يعني زيادة الخطر على هذه الودائع بسبب الإختلالات العميقة التي ستتركها الأزمة المُرَكَّبة بين الإقتصاد ووباء ال”كورونا” على موازنات الشركات، والتي ستنعكس بالضرورة على موازنات المصارف المُتعَبة أصلاً من ثقل الدين الحكومي وديون مصرف لبنان.

إن مُبادرة مصرف لبنان للإقراض بفائدة صفر هو اعتراف بعمق الأزمة وليس حلاً لها، وقد يحتاج المصرف إلى ضخّ أموالٍ -لا يعرف هو حجمها- في بلدٍ تتآكل فيه شرايين الإقتصاد ولها مخاطر تضخّمية هائلة أيضاً لا يُمكن تقديرها الآن.

لنعترف أننا اليوم أمام المشهد التالي: إقراض القطاع العام إستهلك معظم الودائع والباقي استهلكته قروض الشركات والقروض الشخصية، والتي دخلت اليوم نادي الجيوب الفارغة وعطّلت بشكل نهائي قنوات التدفّقات النقدية في الإقتصاد.

الأموال اليوم موجودة فقط مع الذين أخرَجوا أموالهم خارج النظام المصرفي اللبناني، وهم أولاً أولئك الذين أثروا بمال الفساد، والنافذون الكبار، وفئة الواحد في المئة من الرأسماليين الذين استفادوا من نظام الفساد وضمنهم كبار أصحاب الأسهم في المصارف اللبنانية.

حسناً لنعود إلى ال”كابيتال كونترول”. بعد كورونا تُصبح الودائع بشكل أساسي ذات قيمة قانونية تحمي الثروة تجاه الدائنين ولا تُشكّل ثروة يُمكن تحويلها نقداً او شراء أصول بقيمتها السوقية. إن ما تسمح ودائع البنوك شراءه اليوم هو قيم “الدولار المحلي”، كما أسماه حاكم مصرف لبنان، وهو دولار يبتعد يوماً بعد آخر عن ان يشبه الدولار الحقيقي.

ويوم تستتب الأمور، وتعود هناك أرضية سياسية واقتصادية لحلّ أزمة حجز الودائع أو غيرها من الأزمات المتعددة، فإن مَن سيدفع الكلفة الأساس هم المودعون وبخاصة كبارهم مهما كانت صيغة توزيع الأعباء.

المودعون اليوم، وخصوصاً أولئك الذين يملكون في حساباتهم مليون دولار وما فوق، أمامهم فرصة إستثنائية للخروج من الإنكار وتحويل ال”كابيتال كونترول” إلى مشروع خلاص وطني في ظل الأزمة العميقة.

ليذهب كبار المودعين إلى إنشاء صندوق وطني لمواجهة جائحة كورونا يقتطعون له اختيارياً من ودائعهم نسبة ٢٠%. أو أن يتبرّعوا بهذه النسبة لأحد برامج جمع الأموال التي تُدار بكفاءة في لبنان.

إن هذه المبادرة يُمكن أن تجمع حوالي ١٥ مليار دولار (مُحتَسبة على أساس ٨٠ مليار دولار كحجم ودائع فوق المليون دولار) وعندها ستُرمى الكرة على كاهل أولئك الذين هرّبوا ثرواتهم، وعلى كاهل من يُغطّونهم في عالم السياسة والمال.

أموالكم يا كبار المودعين في خطر بنسبة أعلى من ٢٠% ومتزايدة كل يوم، فأثبتوا مرة جديدة أنكم أنتم الإقتصاد، وأنتم المسؤولون الحقيقيون عن البلد، ودعوهم يقولون عندها إنهم عاجزون عن تأمين المبلغ الضروري لمواجهة كورونا، بسبب ان المحظيين قد “نشّفوا البلد” من دولاراته القليلة التي كان يُمكن أن تُشكّل القرش الأبيض لهذه الأيام السوداء.

دعوا هذا الشعب يعرف أنه ليس كلّ غنيٍّ عدوّه.

** البروفسور بيار الخوري أكاديمي لبناني وباحث في الإقتصاد السياسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى